القرطبي
54
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
( قوله تعالى : ( ولما جاء أمرنا ) أي عذابنا بهلاك عاد . ( نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ) لأن أحدا لا ينجو إلا برحمة الله تعالى ، وإن كانت له أعمال صالحة . وفي صحيح مسلم والبخاري وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم " لن ينجي أحدا منكم عمله " قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه " . وقيل : معنى " برحمة منا " بأن بينا لهم الهدى الذي هو رحمة . وكانوا أربعة آلاف . وقيل : ثلاثة آلاف . ( ونجيناهم من عذاب غليظ ) أي عذاب يوم القيامة . وقيل : هو الريح العقيم كما ذكر الله في " الذاريات " ( 1 ) وغيرها وسيأتي . قال القشيري أبو نصر : والعذاب الذي يتوعد به النبي أمته إذا حضر ينجي الله منه النبي والمؤمنين معه ، نعم ! لا يبعد أن يبتلي الله نبيا وقومه فيعمهم ببلاء فيكون ذلك عقوبة للكافرين ، وتمحيصا للمؤمنين إذا لم يكن مما توعدهم النبي به . ( قوله تعالى : ( وتلك عاد ) ابتداء وخبر . وحكى الكسائي أن من العرب من لا يصرف " عادا " فيجعله اسما للقبيلة . ( جحدوا بآيات ربهم ) أي كذبوا بالمعجزات وأنكروها . ( وعصوا رسله ) يعني هودا وحده ، لأنه لم يرسل إليهم من الرسل سواه . ونظيره قوله تعالى : " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات " ( 2 ) [ المؤمنون : 51 ] يعني النبي صلى الله عليه وسلم وحده ، لأنه لم يكن في عصره رسول سواه ، وإنما جمع هاهنا لأن من كذب رسولا واحدا فقد كفر بجميع الرسل . وقيل : عصوا هودا والرسل قبله ، وكانوا بحيث لو أرسل إليهم ألف رسول لجحدوا الكل . ( واتبعوا أمر كل جبار عنيد ) أي اتبع سقاطهم رؤساءهم . والجبار المتكبر . والعنيد الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له ( 3 ) . قال أبو عبيد : العنيد والعنود والعاند والمعاند المعارض بالخلاف ، ومنه قيل للعرق الذي ينفجر بالدم عاند . وقال الراجز : إني كبير لا أطيق العندا ( 4 ) قوله تعالى : ( واتبعوا في هذه الدنيا لعنة ) أي ألحقوها . ( ويوم القيامة ) أي واتبعوا يوم القيامة مثل ذلك ، فالتمام على قوله : " ويوم القيامة " . ( ألا إن عادا كفروا
--> ( 1 ) راجع ج 17 ص 50 . ( 2 ) راجع ج 12 ص 127 . ( 3 ) في ع : ينقاد . ( 4 ) صدر البيت : إذا رحلت فاجعلوني وسطا .